محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

352

شرح حكمة الاشراق

لا يرى في الظّلمة لون كذلك . ففي عالم النّور المحض المنزّة عن بعد المسافة كلّ ما كان أعلى في مراتب العلل ، فهو أدنى إلى الأدون لشدّة ظهورة . فالواجب وإن كان أبعد الأشياء عنّا وأرفعها من جهة علوّ رتبته ، فهو أقرب الأشياء إلينا وأدناها من جهة شدّة ظهوره وقوّة نوره . واعتبر ذلك في الوسائط ، فإنّ أبعدها أقربها ، لما ذكرنا ، فلا أبعد وأقرب من الواجب ، إذ لا أرفع ولا أجلّ منه . فسبحان الأبعد الأقرب الأرفع الأدنى . وإذا كان هو أقرب ، كان هو أولى بالتّأثير في كلّ ذات وكمالها . لأنّ ما عداه وإن كان له تأثير ، فمنه استفاد ذلك ، لأنّه واهب ذوات الموجودات ومعطى كمالاتها ، والنّور هو مغناطيس القرب ، من نور الأنوار ، فإنّ العقل والنّفس كلّما كان أشدّ نورا كان أقرب منه . واعتبر ذلك بالنّور المحسوس مع الشّمس ، فإنّ نور الأنوار شمس عالم العقل . فصل [ 11 ] [ في قاعدة الامكان الأشراف على ما هو سنّة الاشراق ] ومن القواعد الاشراقيّة إنّ الممكن الأخسّ إذا وجد ، فيلزم أن يكون الممكن الأشرف قد وجد . قبل الأخسّ . وهو أصل عظيم يبتنى عليه مسائل مهمّة ، كما ستعلم ، وهو من فروع أنّ « الواحد الحقيقّى لا يصدر عنه . إلّا الواحد . » فإنّ نور الأنوار إذا اقتضى الأخسّ الظّلمانىّ بجهة الوحدانيّة ، لم تبق جهة اقتضاء الأشرف ، لأنه ذو جهة واحدة لا أكثر . وإذا كان كذلك ، فإمّا أن يجوز صدور الأشرف عنه بواسطة أو دونها ، أو لا يجوز مطلقا . فإن جاز بغير واسطة ، فقد جاز أن يصدر عن الواجب لذاته في مرتبة شيئان ، هما الأشرف والأخسّ ، وهو محال . وإن جاز بواسطة ، فيلزم جواز كون المعلول أشرف من علّته ، لأنّ التّقدير أنّ صدور الأخسّ عنه بغير واسطة ، إذا لو كان بواسطة معلول آخر للواجب ، والعلّة أشرف من المعلول ومتقدّمة عليه بالذّات ، فيكون قد وجد قبل هذا الأخسّ ما هو أشرف منه ، هو المطلوب .